محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

415

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقال أهل المعاني : « 1 » القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع من القلب ، وهو قول الزجّاج . قالوا : ويمكن أن يكون المراد بذلك جميع بني إسرائيل المعاصرين والماضين ، ويمكن أن يكون المراد به ابن أخي ذلك القتيل ؛ إذ قال بعد رؤية الآية : واللّه ما قتلته . قال الكلبي : قالوا بعد ذلك : لم يقتله ؛ فلم يكونوا قطّ أعمى بصرا ولا أقسى قلبا إلّا ذلك الوقت ؛ فضرب اللّه لقلوبهم مثلا ؛ فقال : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أي جفّت واشتدّت وصلبت ؛ وأبو روق قال نحو ذلك . وقال بعض أهل المعاني : أراد به المعاصرين من علماء اليهود . ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ صلبت عن فهم الخير والانقياد للحقّ والاعتناء برؤية الآيات . فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة وصلابة ؛ ومعروف في الكلام أنّ العاصي المتمرّد قلبه حجر لا تؤثّر فيه المواعظ ولا تنجع فيه النصيحة ، وهو خلاف المؤمن الذي وصف اللّه قلوبهم في قوله : الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . وقوله : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ، قال الفرّاء : « أو » هاهنا بمعنى بل ، أَوْ يَزِيدُونَ : بل يزيدون ؛ وحرف الشكّ لو دخل في كلام العرب لم يكن لحقيقة الشكّ ، بل مساقة التأكيد ؛ وإنّما شبّه القلوب بالحجارة لا بالحديد لأنّ الحديد يلين بالنار والحجارة تتصلّب . وقوله : أَوْ أَشَدُّ رفع على تقدير هي أشدّ ، ونصب « 2 » لأنّه خفض في الأصل بتقدير الكاف ، ولكنّه على وزن أفعل وهو لا يتصرّف . ثمّ قال : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ أي يتفتّح ويتشقّق ؛ فيخرج منه الماء ؛ فتجرى به الأنهار وهي العيون التي تخرج من الحجر . وقوله : مِنْهُ الْأَنْهارُ والحجارة مؤنّثة . قال الفرّاء فيه وجهان : « 3 » أحدهما أنّ « ما » يكون ( 181 ب ) للمذكّر والمؤنّث ، فذكّره هاهنا ؛ والثاني أنّه ذهب إلى : منها حجرا يشقّق منه الماء ، كقوله : وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ردّ الكناية إلى المعنى ؛ وفي حرف أبيّ : « منها الأنهار » ردّ الكناية إلى الحجارة ؛ و « من » في قوله : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 3 ) . في الهامش عنوان : المعاني .